.jpeg)
السيرة الذاتية، الالتزام الأكاديمي والمسار المهني.
يندرج مساري الأكاديمي تدريجيًا ضمن مجال الفكر الصيني، مع إيلاء اهتمام خاص للفكر الكونفوشيوسي، الذي يُشكل اليوم محورًا أساسيًا من محاور أبحاثي واهتماماتي العلمية. وقد نشأ اهتمامي بهذا التقليد الفلسفي من رغبتي في فهم الأسس الفكرية والأخلاقية والتربوية للحضارة الصينية بصورة أعمق، مع محاولة استجلاء الأبعاد المعاصرة لبعض قيمها في السياق الجزائري.
ومن خلال قراءاتي باللغة الفرنسية، وبدرجة أقل باللغة العربية، اكتشفتُ ثراء الفكر الكونفوشيوسي وأهمية القيم التي يُوليها اهتمامًا خاصًا، من قبيل الإنسانية والرحمة (Ren)، والاحترام والطقوس (Li)، والتعليم والتعلّم، والمسؤولية (Zhi)، والانسجام الاجتماعي، والارتقاء بالإنسان وتهذيب الذات. وقد أثارت هذه القيم اهتمامًا بالغًا لديّ، وشجعتني على تعميق دراستها، مع التفكير في إمكانات نقلها وترجمتها وتقديمها في السياق الجامعي الجزائري. ولا يتمثَّل هدفي في فرض نموذج صيني على الجزائر، وإنَّما في تعزيز حوار فكري وثقافي يسمحُ باكتشاف أوجه التقارب والتكامل بين الثقافتين.
وتندرجُ أبحاثي ضمن منظور أوسع يتمثَّل في تعزيز الحوار الثقافي والحضاري بين الجزائر والصين. ويبدو لي أنَّ تعميق العلاقات الثُنائية لا ينبغي أن يقتصر على الأبعاد الاقتصادية والسياسية فحسب، بل من المُهم أيضًا ترسيخ معرفة مُتبادلة بالثقافات واللغات والفلسفات والتقاليد الفكرية للبلدين. وفي هذا الإطار، تُمثل الجامعة فضاءً أساسيًا لتعزيز التبادلات العلمية والتربوية والثقافية، وللمُساهمة في تعميق معرفة الحضارة الصينية داخل الوسط الأكاديمي الجزائري.
ولا يقتصرُ التزامي العلمي على دراسة الكونفوشيوسية فحسب؛ إذ أُدرك أنَّ اللغة تُمثل مفتاحًا أساسيًا للوصول الحقيقي إلى جوهر أي حضارة وفهمها. ومن هذا المنطلق، أبذلُ كذلك جهودًا متواصلة في تعلُّم اللغة الصينية. وقد أتاح لي الاكتشاف التدريجي لهذه اللُّغة العريقة تعميق فهمي للثقافة الصينية، كما يُمثل مرحلة مُهمَّة في مساري كباحثة. وأطمحُ مُستقبلًا إلى الوصول بصورة أوسع إلى المصادر الصينية، وإلى فهم مضامين الفكر الصيني في سياقها اللُّغوي والثقافي الأصلي.
ومن خلال أبحاثي وقراءاتي وأعمالي في مجال الترجمة، إلى جانب تعلُّمي للُّغة الصينية، أسعى إلى المُساهمة في بناء جسور فكرية وثقافية بين الجزائر والصين. وتتمثَّل طُموحاتي في المُساهمة في تطوير فضاء جامعي مُنفتح على حوار الحضارات، بحيث تُسهم معرفة الفكر الصيني في إثراء التفكير الأكاديمي الجزائري، وتعزيز تعاون علمي وثقافي مُستدام بين البلدين.
وهكذا، يتأسَّس مساري كباحثة على قناعة راسخة مفادها أنَّ المعرفة والتعليم والحوار بين الثقافات تُشكل أدوات أساسية لتقريب الشعوب وتعزيز التفاهم بينها. وتُمثل دراسة الكونفوشيوسية بالنسبة إليّ بوابةً نحو هذا اللقاء بين الحضارتين الجزائرية والصينية، في حين يُشكل تعلُّم اللُّغة الصينية والبحث الأكاديمي الأداتين اللتين أعتمدُ عليهما لمُواصلة هذه الرسالة وتعميقها.
Université d'Alger 2
المسار
بدأ مساري في مجال التعليم يأخذ منحاه الحقيقي في سبتمبر 2007، عقب إتمام تكويني في المدرسة العليا للأساتذة، التي تخرجت منها ضمن دفعة 2007. وقد استهللت مسيرتي المهنية أستاذةً للغة الفرنسية في إحدى المدارس المتوسطة، وكانت هذه التجربة الأولى غنية بالتكوين والتعلم، إذ أسهمت، في فترة وجيزة، في ترسيخ اختياري المهني وتعزيز قناعتي بمهنة التعليم. ومنذ الأشهر الأولى لممارستي للمهنة، اندمجت بسهولة ويسر في الوسط المدرسي، وتمكنت من الاستجابة بوعي ومسؤولية لمتطلبات المهنة ولمختلف المسؤوليات التي تقتضيها وظيفة الأستاذ. كما نشأت علاقتي بالتلاميذ بصورة طبيعية، بفضل ما أتمتع به من قدرة على الإصغاء، والصبر، والتفرغ، والحرص على توفير مناخ قائم على الثقة والاحترام داخل القسم. كما حظيت بشرف إقامة علاقات مهنية ممتازة مع زملائي، قامت على قيم التعاون، والتآزر، والعمل المشترك، والاحترام المتبادل.
لقد حظي جِدّي والتزامي وانخراطي المهني باهتمام المحيطين بي وتقديرهم في وقت وجيز. فقد حرصت على التحلي بانضباط راسخ، ومواظبة دائمة، وحرص مستمر على أداء مهامي بكل دقة وجدية، ولم أتغيب عن عملي ولو ليوم واحد خلال هذه الفترة، وهو ما عكس بوضوح إحساسي العميق بالمسؤولية وارتباطي الوثيق بمهنة التعليم. وقد تُوِّجت هذه التجربة المهنية الأولى، التي حققت فيها نجاحًا ملحوظًا، بتثبيتي السريع في منصبي بتاريخ 8 فبراير 2008، بصفتي أستاذةً للتعليم الأساسي. وقد شكّلت هذه المحطة المهمة في مسيرتي المهنية مصدرًا كبيرًا للاعتزاز، لاسيما أنها حظيت بتشجيع وتهنئة مفتش التربية، الذي كانت تقييماته الإيجابية وإشاداتُه بعملي بمثابة تقدير ثمين لجهودي وكفاءاتي البيداغوجية.
بالتوازي مع ممارستي المهنية، حرصت دائمًا على مواصلة مساري الأكاديمي والفكري وتعميقه وتطويره. ومن هذا المنطلق، انخرطت في بحوث جامعية في مستوى الماجستير في فلسفة الأديان، حيث عملت، بكل جدية وإصرار، على الجمع بين تطوري المهني وتكويني العلمي والأكاديمي. وقد أسهم هذا التوجه المزدوج، الذي يجمع بين الرسالة التربوية والمسار الأكاديمي، في إثراء تصوري لمهنة التعليم بصورة كبيرة، إذ جعلني أنظر إلى الأستاذ ليس باعتباره مجرد ناقل للمعارف، وإنما بوصفه أيضًا مرشدًا ومربيًا وفاعلًا أساسيًا في تنمية شخصية التلميذ وصقل قدراته الفكرية والإنسانية.
وبالنظر إلى تلك المرحلة من مساري بكل ما يتيحه التراكم والخبرة من رؤية أعمق، أجد أن سنواتي الأولى في ميدان التعليم كانت مرحلة مفصلية، استطعت خلالها اكتشاف مجموعة من الصفات التي كانت متجذرة في شخصيتي، والعمل على ترسيخها في ممارستي المهنية، وفي مقدمتها حسن الإصغاء، والصبر، والتفرغ، وحسن المعاملة، والصرامة المهنية، والانضباط، والالتزام بالمواعيد، والشعور العميق بالمسؤولية، وقبل كل شيء، الشغف الحقيقي بنقل المعرفة. وقد شعرت، منذ وقت مبكر جدًا، بأنني وجدت مكاني الطبيعي في هذه المهنة، سواء من خلال العلاقة التي بنيتها مع تلاميذي أو من خلال التعاون الذي جمعني بزملائي. وقد عزز هذا الاندماج السلس، وجودة علاقاتي المهنية، فضلًا عن التقييمات والإشادات الإيجابية التي تلقيتها منذ بداياتي، قناعتي بأن التعليم يمثل بالفعل رسالتي المهنية. وهكذا، شكّل هذا المسار الأول الذي بدأ سنة 2007 الأساس المتين لمسيرة مهنية ارتكزت على نقل المعرفة، والحرص على التميز الأكاديمي، والالتزام الراسخ بخدمة التربية والتعليم.
مثّلت سنة 2015 محطة حاسمة في مساري الفكري والأكاديمي. فبعد إقامتي العلمية الطويلة في فرنسا، أتيحت لي فرصة ثمينة لاكتشاف، في مدينة باريس، عمق وثراء التراث الثقافي الآسيوي، ولا سيما الحضارة الصينية. وقد أسهمت إقامتي في العاصمة الفرنسية في توسيع آفاقي الأكاديمية بصورة كبيرة، خاصة من خلال دراستي لمادة الفلسفة الصينية في جامعة باريس-السوربون. وفي هذا السياق، أدركت للمرة الأولى، وبصورة عميقة، أهمية الفكر الكونفوشيوسي. وقد ترك هذا اللقاء الفكري أثرًا بالغًا في مساري العلمي، إذ دفعني إلى إعادة النظر في كونفوشيوس من منظور متجدد، وإلى مقاربة فلسفته من زاوية جديدة، كما أتاح لي، إلى جانب فكره، اكتشاف طريقة مختلفة لفهم آسيا وحضارتها العريقة الممتدة لآلاف السنين، وقيمها الأساسية، ورؤيتها للإنسان والعلاقات الاجتماعية.
ومع ذلك، فإن هذا الاكتشاف لم يكن منفصلًا عن مساري الأكاديمي السابق، بل جاء امتدادًا طبيعيًا لأعمالي وبحوثي التي كانت قد انصبت أساسًا على دراسة الأديان، ولا سيما المسيحية واليهودية. ومن ثمّ، بدأ الفكر الكونفوشيوسي يتجلى أمامي تدريجيًا باعتباره مجالًا جديدًا للتأمل والتعمق الفكري. فانخرطت في دراسة الكونفوشيوسية، مع إيلاء اهتمام خاص للكونفوشيوسية الجديدة، إلى جانب دراسة تاريخ الحضارة الصينية وتطورها. ولم يشكّل هذا التوجه الجديد قطيعة مع أبحاثي السابقة بأي حال من الأحوال، وإنما مثّل توسعًا مهمًا في مجال اهتمامي العلمي، مكّنني من وضع مختلف التقاليد الفلسفية والدينية في إطار مقارن، وتعميق فهمي لتنوع التصورات المتعلقة بالإنسان والأخلاق والتربية والتنظيم الاجتماعي.
وخلال هذه الفترة، لم أتمكن، للأسف، من تخصيص الوقت الذي كنت أطمح إليه لتعلّم اللغة الصينية. فإتقان اللغات الأجنبية يتطلب بالنسبة إليّ قدرًا كبيرًا من الوقت والصبر، ولا بد أن أعترف بأن تقدمي في هذا المجال كان ولا يزال نسبيًا وبطيئًا إلى حد ما. غير أن هذا العائق اللغوي لم يمنعني إطلاقًا من تعميق معرفتي بالفكر الصيني. وبما أنني كنت مقيمة في فرنسا، فقد أجريت معظم قراءاتي المتعلقة بكونفوشيوس والكونفوشيوسية باللغة الفرنسية. وقد أتيحت لي خلال تلك المرحلة فرصة الاطلاع على رصيد أكاديمي فرنكوفوني غني ومتميز، اتسم بالعمق والدقة والثراء، وتناول فكر كونفوشيوس والكونفوشيوسية، وبصورة أوسع، تاريخ الصين وحضارتها. وقد وفرت لي هذه الدراسات والأعمال الأكاديمية أدوات فكرية ثمينة ساعدتني على صقل فهمي للفكر الكونفوشيوسي، وأسهمت بصورة كبيرة في بناء اهتمامي بالصين وتعزيزه وتطويره.
كما سمحت لي إقامتي في فرنسا بالتعرف عن قرب على مدى تأثير الثقافة الصينية وانتشارها داخل المجتمع الفرنسي. فقد أتاح لي تنوع المؤسسات والفضاءات الأكاديمية المخصصة للدراسات الصينية، وحيوية التبادلات الجامعية والثقافية، ونشاط معاهد كونفوشيوس، إلى جانب حضور جالية صينية نشطة، فرصة ملاحظة واقع الحوار الحضاري بين فرنسا والصين بصورة ملموسة. وقد أسهمت هذه التجربة في تعميق اهتمامي بالحضارة الصينية، وقادتني تدريجيًا إلى الاقتناع بأن فهم الصين لا يمكن أن يقتصر على إتقان لغتها أو الإلمام بتاريخها فحسب، بل يتطلب أيضًا الانفتاح على فكرها وقيمها وفلسفتها وتصوّرها للتربية والتعليم. وفي هذا السياق، اكتسب لقائي الفكري مع كونفوشيوس في باريس سنة 2015 دلالة تجاوزت بكثير مجرد الاكتشاف الأكاديمي؛ فقد شكّل نقطة انطلاق لمسار فكري حقيقي نحو الصين، ونحو دراسة حضارتها دراسة أعمق وأكثر شمولًا.
مثّلت مشاركتي في المؤتمر الثاني للباحثين في الدراسات الصينية بشمال أفريقيا، المنعقد في تونس بـ المعهد العالي للغات بتونس، جامعة قرطاج، حول موضوع «كونفوشيوس في الجزائر: رهان الانفتاح والحوار بين الحضارات»، مرحلة حاسمة في مساري الفكري المكرّس لدراسة الفكر الصيني. وقد أتاحت لي هذه التظاهرة العلمية فرصة ثمينة للتعمق أكثر في عالم الكونفوشيوسية، وإجراء حوارات مثمرة مع باحثين وأكاديميين يعملون منذ سنوات طويلة على نشر اللغة والثقافة الصينية والتعريف بهما في شمال أفريقيا. كما تشرفت بلقاء عدد من رواد تعليم اللغة الصينية في تونس والمغرب ومصر، حيث أسهمت مساراتهم وتجاربهم العلمية والمهنية في إثراء أفكاري وتعميق رؤيتي. وقد عززت هذه التجربة الأولى في إطار أكاديمي جمع نخبة من المتخصصين في الدراسات الصينية اهتمامي بالفكر الكونفوشيوسي، ومكّنتني من إدراك إمكاناته بصورة أوضح باعتباره فضاءً للحوار والانفتاح والتقارب بين الحضارات.
Institut Supérieur des Langues, Université de Carthage — Tunis
يشكّل نقل المعرفة الخيط الناظم لمسيرتي الفكرية، عند تقاطع التعليم والبحث العلمي ونشر المعرفة. ويتجسّد هذا الالتزام اليوم أيضًا في دراسة الفكر الصيني وإبراز إشعاعه، سعياً إلى جعله متاحًا لأوسع شريحة ممكنة من المهتمين. ومن خلال التدريس، وتأطير الطلبة، واللقاءات العلمية، والمحاضرات، والتبادلات الثقافية، أعمل على تسليط الضوء على عمق الفلسفة الصينية وثرائها، ولا سيما إرث كونفوشيوس وقيمه المؤسسة، إلى جانب رؤيته للتربية والإنسان والمجتمع.
ولا تقتصر هذه المقاربة على مجرد نقل المعارف، بل تتجاوز ذلك إلى السعي لإثارة الفضول، وتحفيز التفكير النقدي، وتعزيز فهم أعمق للصين وحضارتها العريقة الممتدة عبر آلاف السنين. ومن خلال التعريف بهذا الفكر وإبراز قيمته لدى الطلبة والباحثين والأساتذة وجمهور أوسع، أطمح، في حدود ما أستطيع، إلى الإسهام في بناء جسور فكرية وثقافية بين الجزائر والصين، وعلى نطاق أوسع، بين مختلف التقاليد الفكرية الكبرى التي أسهمت في تشكيل عالمنا.